إنتقال للمحتوى

Change

صورة

مشرف على العلياء مشرف!- أحمد العساف


  • من فضلك قم بتسجيل الدخول للرد
لا توجد ردود على هذا الموضوع

#1
ريشة قلم

ريشة قلم

    المشرفة العامة المكلفة على منتديات واحة المرأة

  • الإشراف العام
  • PipPipPipPipPipPipPip
  • 13276 مشاركة

مشرف على العلياء مشرف!

لا شيء أسمى من العلم ولا أعز ولا أقوى منه، والدليل على ذلك أن الذي عنده علم من الكتاب كان أقوى من عفاريت جنّ سليمان عليه السلام وأسرع في إنجاز المهمة الصعبة. وأيضًا فالعلم يتسابق للالتصاق به وادعائه غير أهله من العامة ومن حولهم رغبة في نيل مجده، ومن المفارقات أن يتحاشى الجزم بالانتساب إليه العلماء ومن يقترب منهم توقيرًا لمقامه المهيب، وهو أخيرًا من العمل الباقي الذي لا ينقطع برحيل صاحبه، ونعم الأثر ونعم الذكرى.

ونحن اليوم نودع رجلًا نال شرف خدمة العلم في دنياه، ونبتهل لربنا أن يجري ثوابه عليه وشفاعته له في برزخه وحيدًا، ويوم مبعثه، وحين يقوم الناس للحساب، وعند عبور الصراط، ولحظة تطاير الصحف، حتى يغدو صنيعه شفيعًا له ونورًا وأجرًا ورفعة درجات، فارحم اللهم عبدك مشرف بن محمد بن حسن الخشرمي الشهري (1383-1443)، واغفر له وجازه بالحسنات إحسانًا، وبالسيئات عفوًا وغفرانًا.

ولد أبو محمد في قرية خشرم التابعة لمحافظة النماص جنوبي المملكة والقريبة من أبها، وتوفيت والدته وهو رضيع في المهد، ثمّ توفي والده وعمره فوق المئة بقليل بينما كان عمر نجله مشرف دون البلوغ؛ فواصل دراسته في الثانوية العسكرية، ثمّ التحق بكلية الملك عبدالعزيز الحربية وتخرج فيها عام (1405)، وعمل ضابطًا في الدفاع الجوي إلى أن تقاعد على رتبة عميد، بيد أنه ظلّ طوال حياته وسيبقى بعد مماته مدافعًا عن دينه وإرث أمته العلمي والحضاري، ورسالة بلاده التاريخية.

وكان إبان محياه وفي شبابه الغضّ شغوفًا بطلب العلم والقراءة والحفظ ومجالسة العلماء، والسعي في عمل الخير ودعمه بجهده وماله حتى لو لم يكن من الأثرياء، وإنما السخاء فطرة. وهو ممن سبق إلى علوم الحاسب الآلي عندما كان أكثر الناس يهابون اقتحام هذا الباب، وإن أصحاب المشروعات والهمم لأهل استشراف، وهمة، وسبق، وحرص على التعلّم، والمزاحمة، والإسهام لو بقليل تعظمه النية الحسنة، وتحوطه عناية الإله، وتنجفل له قلوب ذوي الفطرة وألباب أولي البصائر والألباب.

ومع أني لم أسعد بلقياه إلّا أن اسمه الكريم ومشروعاته العظيمة معروفة منتشرة، وكلها تشير إلى رجل يُقال لمثيله ونعم التربية والمحتد والأصل، ونعم الهم والهمة والعمل والعمر الذي فني في الطاعات والقربات، ويا حسرتاه على سنوات تمضي، وأيام تنقضي دون أثر يبقى، و بلا تأثير مبارك لا يتوقف. ومن بركة حبيبنا المشرف على المعالي أنه أسعد والديه بما قدّم لهما، وبدعاء الناس الذين أفادوا من إبداعاته وهم لا يعرفون أبويه وربما لا يعرفونه نفسه، ثمّ أسعد مَنْ شارك في تعليمه وتربيته وتحفيزه، وأسعد مَنْ هيئ له سبل النفع من زوج وولد وصديق وموظف وخادم وغيرهم، والله يجعلنا وإياكم مباركين.

كما أجزم أن الرجل في مشروعه التقني المبكر قد صادف بعض الثقلاء والبغضاء ممن لا شأن لهم سوى الإرجاف والتخويف والشك، أو التخذيل واستحضار المصاعب والعثرات والفشل، أو الرمي بالتصنيف وسوء الظنون، وأجزم أنه لم يلتفت لواحد منهم، ولم يكلّف نفسه إضاعة الوقت في محاججة أو إقناع أو توضيح، ولو فعل لما سار خطوة واحدة إلى الأمام في عمله المتميز المثمر، وفوق ذلك فغالب هؤلاء البشر لا تنطلق معارضتهم ولا تنبني آراؤهم على تطلّب الحق، والحدب في البحث عن الصواب، وإنما هم غوغاء أو أجراء، ولا طائل من محاورتهم أو حتى الاستماع لهم.

لذا بادر الرجل المشرف على الخير المشرق حيثما حلّ إلى التقنية وعوالمها مبكرًا، وجمع إرث كثير من العلماء المكتوب منه والمسموع والمرئي، وأعاد جمعه وتصنيفه ثمّ توزيعه مجانًا على أهل العلم والدعوة والإصلاح. وانفتل بعد ذلك نحو المخطوطات جمعًا وتصنيفًا وإتاحة خدمة للباحثين والدارسين حيثما كانوا، وأردف بمشروعات الباحث العلمي، والمكتبة الشاملة، ومواقع للدروس العلمية، والمصورات، ورسائل الماجستير والدكتوراة، مع تيسير سبل الوصول إليها عبر المواقع والتطبيقات مثل التليقرام وغيره. وله مقرأة إلكترونية اسمها مشكاة لتدريس القرآن وتحفيظه وتدبره فيها آلاف الطلاب، وعشرات المعلمين، من أصقاع وأجناس شتى.

msh1-188x300.jpg msh3-173x300.jpg

فكم من جاهل تعلّم، وكم من فقير اجتمعت لديه مكتبة لم يكن يحلم بعشرها، وكم من دارس استفاد وأضاء، وكم من آية بلغت الآفاق، وكم من سنّة أحياها بعد اندثار، وكم من بلاد انتعشت بكتب العلوم الشرعية واللغوية والتاريخية والفكرية لأن المفسدين المسيطرين عليها حالوا بينها وبين الناس، وكم من دعوة رشدت بآثاره المحفوظة تقنيًا وعن الغلو والتحريف ابتعدت، وكم من مفاهيم شرعية رسخت، وكم من كتب قرأت من ناشئة فمن فوقهم، وكم كم من الفضائل انتشرت، ولمشرف نصيب منها بنعمة من الله وتوفيق، وهو الذي عمل عليها من شروق الشمس إلى غروبها دون أن ينقطع إلّا لصلاة أو نوم أو طعام، حتى مرض بسببها في خلاياه وعيونه، ومن مضاعفات مرضه توفي رحمة الله ورضوانه عليه، ومع ذلك لم ينس محض الناس صادق النصيحة حتى وهو يعاني من المرض وآلامه؛ فهو شغوف بالنصح للأمة، شفيق على الآخرين.

msh2-300x246.jpgmsh4-200x300.jpg

ولعله من القبول وعاجل البشرى، ذلكم التفاعل الكبير الذي صاحب ذيوع خبر رحيله عن الدنيا، فوسائل التواصل الاجتماعي والمتحرك تداولت النبأ الأليم مع الدعاء والثناء على الرجل بما يستأهله، وسارع أطهار لابتداء مشاريع إحسان لتصبح صدقة عنه تصرف لمن يستحقها، وأعاد آخرون أغيار التذكير بمشروعاته وأعماله، وفاح عبير سيرته، وأخباره، واجتهاده، وصارت حديث المغردين والمعتنين بالكتب والمشروعات النافعة النبيلة، وهم القوم لا يشقى بهم جليس، ولا ينغبن مؤبن منعي من قبلهم بإذن الله.

فاللهم اغفر لمشرف ولوالديه ووالديهم، ولأساتذته ومعلميه ومعاونيه، واكتب له أجر العلم والعمل والقدوة، وهبه نضارة تبليغ السنّة، ثمّ أحسن يامولانا الرؤوف عزاء بنيه وأهله واحفظهم واحفظ لهم، واربط على قلوبهم. وأسأل الله أن يكرم وفادة عبده الذي توفي هذا اليوم الاثنين في الرياض، وسيصلى عليه ظهر غد الثلاثاء بجامع الراجحي، ثم يودع في قبره بمقبرة النسيم شرق العاصمة، والله يجعله قبرًا منارًا بالمصابيح، منعمًا بالبرودة، ذا نوافذ نحو الجنة يأتيه من روحها ونسائمها ما يجعله يتمنى قيام الساعة، آمين آمين آمين.

أحمد بن عبدالمحسن العسَّاف-الرياض

 ahmalassaf@

الاثنين 09 من شهرِ جمادى الأولى عام 1443

13 من شهر ديسمبر عام 2021م

 
 

 


 
 

كان الثلج قبل اليوم عنوان فرح
كان ملعباً لطفولة فينا
متنفسنا كلما طال علينا الشتاء
لكنه اليوم 

كفن أبيض كبير


مجرد كفن..
.

 

 

 

 

مداد ريشتي  

 

 

 thumb_wahati_1367416474__734448_55343623

 wahati_1435421873__201506270908191.jpg